عبد الملك الخركوشي النيسابوري

24

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

2 - باب في ذكر الملامتيّة وصفاتهم وشعارهم والفرق بين الصوفية وبينهم في الأقوال والأفعال والأحوال وما قيل فيهم قال أبو سعد رضى اللّه عنه : قد ذكرنا ما سهّل اللّه تعالى لنا ذكره في معاني التصوف ، وأوصاف أهله ، وتلك طريقة أهل العراق . فأما أهل خراسان ؛ فإنهم يسلكون طريقة الملامتية وقد كانت الملامتية يسمون المحزونين في سالف الدهر ، وأصلهم أنهم لا يخافون في اللّه لومة لائم ، فلذلك لا يشتغلون بتزيين الظواهر للخلق ؛ بل يبتهلون إلى اللّه سبحانه في أن يزين أسرارهم لهم . وحكى عن عبد الله بن المبارك أنه قال : أصل الملامتى أن لا يظهر خيرا ، ولا يضمر شرا . عن أبي حفص قال : أهل الملامة قوم أظهروا للخلق قبائح الأفعال التي هم فيها وستروا عنهم محاسن ما هم فيه ، فلامهم الخلق على ظواهرهم ، ولاموا أنفسهم على ما يعرفونه من بواطنهم ، فأكرمهم اللّه تعالى بكشف الأسرار ، والاطّلاع على أنواع العيوب ، وتصحيح الفراسة في الخلق . - وسئل حمدون القصار عن الملامة ، فقال : خوف القدرية ورجاء المرجئة . وقيل لعبد اللّه بن المبارك : هل تكون للملامتى دعوى ؟ قال : وهل يكون له شئ يدّعيه ؟ . وقال أيضا : الملامتى لا تكون له من باطنه دعوى ، ولا من ظاهره تصنّع ولا مراءاة ، وسرّه الذي بينه وبين اللّه تعالى ، لا يطّلع عليه صدره فكيف الخلق ؟ ! - وسئل بعضهم عن طريقة الملامة ، فقال : هي إظهار مقام الفرقة للخلق ، والتحقق بعين الجمع مع الحق . - وسئل بعضهم عن صفة الملامتى فقال : أن لا يصحبه في الظواهر رياء ، ولا في البواطن دعوى ، ولا يألف ولا يؤلف « 1 » ، ولا يسكن إلى شئ ، ولا يسكن إليه شئ .

--> ( 1 ) قلت معنى قوله لا يألف ولا يؤلف ؛ أي : يكون دائما في خلوة مع ربه عزّ وجلّ ، أما لو حمل الكلام على ظاهره ، فهذا عين الهلاك لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا خيار فيمن لا يألف ولا يؤلف » .